ابن تيمية
121
مجموعة الرسائل والمسائل
التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس والبهائم والشجر والنبات والجبال والأنهار الجارية . فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم . ولو قدر أن هناك أحد لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة ، ولا من في هذه تحت من في هذه ، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر ، ولا القطب الشمالي تحت الجنوبي ولا بالعكس ، وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء ، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلاً كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذي يسمى عرض البلد . فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستدير ليس بعضها فوق بعض ولا تحته ، فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات لا يقال أنه تحت أولئك ، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان ، وهو تحت إضافي ، كما لو كانت نملة يمشي تحت سقف فالسقف فوقها وإن كانت رجلاها تحاذيه ، وكذلك من علق منكوساً فإنه تحت السماء ، وإن كانت رجلاه على السماء ، وكذلك قد يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض أو الفلك أن الجانب الآخر تحته . ( 1 )
--> ( 1 ) كل ما قاله شيخ الإسلام في الأرض فهو مبني على كونها كرة كما جزم به علماء الهيئة المتقدمون والمتأخرون ومن اطلع على هذا العلم وفهمه من علماء الإسلام الأعلام . وهذه مسألة قطعية لا ظنية ، وصرح بها ابن القيم من علماء الحديث بالتبع لأستاذه المؤلف وللإمام ابن حزم واقتناعا بأدلتها ويدل عليه قوله تعالى ( يكور الليل على النهار ) الآية فان التكوير هو اللف على الجسم الكري المستدير كتكوير العمامة على الرأس ، وكذا قوله تعالى ( والأرض بعد ذلك دحاها ) فان الدحو في أصل اللغة دحرجة الكرة وما في معناها . ولا يعارضه قوله تعالى ( وإذا الأرض سطحت ) كما توهم الجلال وغيره لأن وجه الكرة سطح لها والسطح في اللغة أعم منه في عرف أهل الهندسة وكذلك الخط